حين كتبت مقالا بعنوان :" ماذا يجري في إيران؟؟" حاولت من خلاله إعطاء صورة شاملة و قراءات متعددة للمشهد الذي بات يحتل كل وسائل الإعلامية العالمية و بات يشد اهتمام الجميع دون استثناء ، أما من خلال مقالي هذا سأحاول الكشف عن الجزء المسكوت عنه في مشهد أحداث طهران ، و التي ترتبط بمسار القضية الفلسطينية .
فلو أننا تمعنا في المشهد جيدا و أخذنا الأحداث بتسلسلها و استرجعنا أهم مراحل ولاية الرئيس " أحمدي نجاد" ، و استذكرنا أهم المناظرات التي جرت بين أطراف التنافس الانتخابي ، و حاولنا البحث في أرشيف الدراسات الأكاديمية لبعض المثقفين الإيرانيين المحسوبين على التيار الإصلاحي المتعلقة بالقضية الفلسطينية...سنفهم أن تدخل أمريكا أوباما و أوربا لم يكن من أجل سواد عيون المتظاهرين في شوارع طهران و لا من أجل دماء " ندا سلطان" المسفوح .
الرئيس أحمد نجادي منذ توليه مقاليد السلطة في إيران لم يترك فرصة تفوته دون أن يكذب أسطورة المحرقة و يهدد بمحو "إسرائيل" من الوجود كما عمل على دعم حركات المقاومة علنا و دون مواربة ،مما جعل منه العدو الأول للصهاينة الذين بدءوا يعدون العدة لضربة عسكرية توقف إيران نجاد عند حدها، كما اتسمت سياسته بنوع من الانفتاح على البلدان العربية ، الأمر الذي لم يعجب أحد أقطاب الإصلاحيين "مهدي كروبي" فوجه انتقادات شديدة للرئيس نجاد خلال مناظرة تلفزيونية جمعتهما أثناء الحملة الانتخابية ،اتهمه بأنه كان لينا أكثر مما ينبغي مع العرب و انتقد كذلك زيارته للإمارات و حضوره اجتماع مجلس التعاون الخليجي في قطر.
غياب القراءة الشاملة و المتكاملة الحلقات جعلت من الموقف العربي يتسم بنوع من الغباء ، و جعله موقف شماتة بعيدا عن الاتزان ، فأصوات الإصلاحيين في شوارع طهران تردد " إيران أولا " و تنتقد الدعم المادي المقدم لحزب الله و حماس و الجهاد و باقي فصائل المقاومة للمشروع الصهيوني الأمريكي بالمنطقة ، و اعتبرت تلك المساعدات تبديدا لأموال الشعب الإيراني ، أكيد أنها إشارة واضحة من قبل الإصلاحيين تهدف لنفض اليد من المقاومة و القضية الفلسطينية ككل ، و لن يجدوا صعوبة في ذلك لأنهم لن يكونون عربا أكثر من العرب.
بل يذهب أحد المعارضين خارج إيران و معه أكثر من باحث في الشؤون الإستراتيجية الإيرانية إلى القول بإن كل من إيران و "إسرائيل" هما الدولتان القويتان و المتقدمتان في المنطقة و من "المنطق" أن يكون بينهما تحالف و تعاون من أجل أن يصبحا قاطرة التقدم التي تنتشل المنطقة من التخلف وفق أجندتهما الخاصة.
الغريب جدا في موقف الدول الغربية هو ذلك الإجماع غير المسبوق من قبل كل من باريس و لندن و برلين و واشنطن، على تأييد الإصلاحي "مير حسين موسوي" ، كما أستغرب الإجماع الحاصل في وسائل الإعلام العالمية على تأييد المتظاهرين و تشجيع الإصلاحيين و دعم مطالبهم الظاهرة و الحديث عن حق الشعب في التظاهر من أجل خياراته المشروعة ، هذا الحق نفسه أنكره العالم على شعب فلسطين حين أجمع بديمقراطية على اختيار حركة حماس لتسير شؤونه و تدبير قضيته ، العالم نفسه الذي ينتفض لدم "ندا سلطان" و دماء الجرحى هو نفسه العالم الذي أغمض عينه و تواطأ من أجل قتل الأطفال و الشيوخ و النساء في غزة بآلة الدمار الصهيونية...الدول عينها التي تؤيد الإصلاحيين الذين خسروا الانتخابات بإيران تحاصر حكومة "هنية" الشرعية . هي أيضا الدول التي تستغشي ثيابها عندما ترى الحكومات العربية المستبدة و هي تمارس القمع و تسحق معارضيه...و تزور الانتخابات في واضحة النهار.
هذا النفاق العالمي جعل الإعلام الغربي ــ الذي كان يصور صواريخ حماس البسيطة على أنها تهديد خطير جدا على وجود الكيان الصهيوني " المسالم" ــ يؤجج نيران الغضب في طهران و يسوق شعارات الحرية و حقوق الإنسان، و سخر كل إمكانياته المتاحة من أجل ذلك، حيث أعلنت محطة الإذاعة البريطانية عن استخدام قمرين صناعيين إضافيين من أجل تقوية إرسالها باللغة الفارسية إلى طهران ، كما أجلت الشبكة الاجتماعية " توتير" عملية الصيانة المقررة لها ، بسبب أحداث إيران و حتى تتمكن من إيصال صوت الغاضبين في إيران للعالم...العالم الغربي جيش من أجل المتظاهرين في إيران كل الوسائل الإلكترونية المتقدمة و العابرة للقارات و الحدود ، و ذلك ليس نابع عن غيرة على الديمقراطية و لا رفضا للتزوير و الفساد و إنما سعيا لتحقيق مصالحه الإستراتيجية بالمنطقة و التي بالضرورة تتقاطع مع مصالح الصهاينة الهادفة لقطع الدعم عن حركات المقاومة .
كتب يوم الخميس 25/06/2009 بمنتديات حماة الأقصى


















